أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

70

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال ابن عطية : « هو بحسب اللفظ استثناء منقطع وكذلك رسمه النحويون ، وهو بحسب المعنى متصل ، لأن تقديره : ما آمن أهل « 1 » قرية إلا قوم يونس » . « قلت : وتقدير هذا المضاف هو الذي صحح كونه استثناء متصلا » وكذلك قال أبو البقاء ومكي وابن عطية وغيرهم . وأما الزمخشري فإنّ ظاهر عبارته أن المصحح لكونه متصلا كون الكلام في معنى النفي ، وليس كذلك ، بل المسموع كون القرى يراد بها أهاليها من باب اطلاق المحل على الحال ، وهو أحد الأوجه المذكورة في قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 2 » وقرأت فرقة « إلّا قوم » بالرفع . قال الزمخشري : « وقرىء » بالرفع على البدل ، روي ذلك عن الجرمي والكسائي . وقال المهدوي : والرفع على البدل من « قَرْيَةٌ » وظاهر هاتين العبارتين : أنها قراءة منقولة ، وظاهر قول مكي وأبي البقاء : أنها ليست قراءة ، وإنما ذلك من الجائز ، وجعلا الرفع على وجه آخر غير البدل ، وهو كون « إِلَّا » بمعنى : غير في وقوعها صفة . قال مكي : « ويجوز الرفع على أن تجعل « إِلَّا » بمعنى « غير » صفة للأهل المحذوفين في المعنى ثم تعرب ما بعد إلّا بإعراب « غير » لو ظهرت في موضع « إِلَّا » وقال أبو البقاء - وأظنه أخذه منه - : « ولو كان قد قرىء بالرفع لكانت « إِلَّا » فيه بمنزلة غير « فتكون صفة » . وقد تقدم « 3 » أن في نون يونس ثلاث لغات قرىء بها . قوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ . يجوز في « أنت » وجهان : أحدهما : أن يرتفع بفعل مقدر مفسر بالظاهر بعده وهو الأرجح ، لأن الاسم قد ولى أداة هي بالفعل أولى . والثاني : أنه مبتدأ والجملة بعده خبره ، وقد عرف ما في ذلك من كون الهمزة مقدمة على العاطف ، أو ثم جملة محذوفة ، كما هو رأي الزمخشري ، وفائدة إيلاء الاسم للاستفهام إعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه ، وإنما الشأن في المكره من هو ؟ وما هو إلا وحده لا يشاركه فيه غيره و « حَتَّى » غاية للإكراه . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 100 إلى 104 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ( 103 ) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 104 ) وقوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ . كقوله : « أَنْ تَمُوتَ » وقد تقدم ذلك في آل عمران . قوله : « وَيَجْعَلُ » قرأ أبو بكر عن عاصم بنون العظمة ، والباقون بياء الغيبة وهو اللّه تعالى ، وقرأ الأعمش فصرح به « ويجعل اللّه الرّجز » بالزاي دون السين ، وقد تقدم « 4 » هل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق .

--> ( 1 ) أنظر الكتاب المصدر السابق . ( 2 ) سورة يوسف ، آية : ( 82 ) . ( 3 ) أنظر سورة النساء ، آية ، : ( 163 ) . ( 4 ) أنظر سورة المائدة ، آية : ( 90 ) .